نبلاء الاسلام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مرحباً بك زائرنا الكريم
يسعدنا تسجيلك في منديات نبلاء الاسلام لتكون من اسرة هذا البيت الراقي بكم ولكم

نبلاء الاسلام

اسلامي علي منهج اهل السنه بفهم سلف الامه
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ترجمة امام اهل السنه احمد بن حنبل العالم القدوة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابودجانه
صاحب الموقع
avatar

الساعة الان :
رسالة sms : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عددخلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته


ذكر

عدد المساهمات : 1613
تاريخ التسجيل : 05/05/2011
العمر : 57
الموقع : nobalaa.forumegypt.net
المزاج : مبسوط


مُساهمةموضوع: ترجمة امام اهل السنه احمد بن حنبل العالم القدوة   السبت 24 سبتمبر 2011, 2:54 pm

احمد بن حنبل العالم القدوة 2-3
صالح بن فريح البهلال





ثانياً: شدة حرصه على العمل بالسنة، وتعظيمه لها:
وهذه ثمرة العلم، أن يُعمل به، وتظهر آثاره على صاحبه، وقد كان الإمام أحمد قدوة في هذا الباب، له فيه القِدْحُ المعلى، وهذه أمثلةٌ تدل على هذا:
- قال المَرُّوذي: (قال لي أبو عبد الله: ما كتبت حديثاً إلا وقد عملت به، حتى مر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً، فاحتجمت وأعطيت الحجام ديناراً) (1).
- وقال أبو الحسن بن المناديSadاستأذن أحمد زوجته في أن يتسرى؛ طلباً للاتباع، فأذنت له، فاشترى جارية بثمن يسير، وسماها ريحانة؛ استناناً برسول الله صلى الله عليه وسلم) (2).
- وقال حنبل: (كانت كتب أبي عبد الله أحمد بن حنبل التي يكتب بها: من فلان إلى فلان، فسألته عن ذلك فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر، وكتب كل ما كتب على ذلك، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم... وهذا الذي يكتب اليوم لفلان محدث لا أعرفه) (3).
بل كان الإمام أحمد -رحمه الله- لا يغفل العمل بالسنة حتى في مواطن الشدة، فقد قال إبراهيم بن هانىء: (اختبأ عندي أحمد بن حنبل ثلاث ليال -وذلك زمن الواثق لما فرض عليه الإقامة الجبرية- ثم قال لي: اطلب لي موضعاً حتى أدور إليه، قال: إني لا آمن عليك يا أبا عبد الله، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم اختفى في الغار ثلاثة أيام، وليس ينبغي أن نتبع سنته صلى الله عليه وسلم في الرخاء ونتركها في الشدة) (4).
بل وهو في الاحتضار عند معاينة الموت، كان حريصاً على تطبيق السنة، فقد سُئل ابنُه عبد الله: هل عقل أبوك عند المعاينة -أي معاينة الموت-؟ قال: نعم.
كنا نوضئه، فجعل يشير بيده، فقال لي صالح: أي شئ يقول؟ فقلت: هو ذا يقول: خللوا أصابعي، فخللنا أصابعه، ثم ترك الإشارة، فمات من ساعته(5).
سبحان الله، ما أعظم هذا الإمام! نفسه تحشرج، وبات يجود بها، وقد أشفى على الموت، ومع ذلك لم يخل بتطبيق هذه السنة، فماذا يقال لبعضنا، تمر عليه السنة تلو السنة، يطبقها حيناً، ويتركها أحايين، بل بعضهم إذا نوقش في ترك بعض المسنونات قال: الأمر لا يصل إلى حد الوجوب، وإذا نوقش في فعل بعض المنهيات قال: النهي لا يصل إلى حد التحريم.
نعم قد يكون كلامه صحيحاً، لكن الكمَّل من العباد، يبادرون إلى فعل الأمر وإن كان للاستحباب، ويبادرون بترك المحرم وإن كان للتنزيه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
- وفي مرض موته، وقد أهم الناسَ أمرُه، فهرعوا يتوافدون على بيته، حتى امتلأ بهم الشارع، وأغلق باب الزقاق المؤدي إلى بيته، وأخذ الناس يدخلون عليه أفواجاً، حتى امتلأت بهم داره، وهم يسألونه، ويدعون له، ويخرجون، ثم يدخل فوج آخر، وهكذا، فبينما هم في هذه الأثناء؛ إذ جاء جارٌ للإمام أحمد قد خضب، فرآه الإمام أحمد، فقال: إني لأرى الرجل يحيى شيئاً من السنة فأفرح به(6). وهذا الموقف من هذا الإمام يبين أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم قد امتزجت بأجزاء نفسه؛ وأخذت بمجامع فؤاده، فلم يمنعه شدة مرضه، وانشغاله بتوافد الناس عليه، من أن يبين فرحه بهذه السنة.
ثالثاً: حسن أدبه مع شيوخه -رحمه الله-:

إن الذي ينبغي لطالب العلم مع شيخه أن يحترمه، ويوقره، ويقر له بمعروفه، ويحسن الأدب معه، ولا يماريه؛ وإذا سأله سأله سؤال المتعلم المسترشد لا سؤال المتعالم المتفاخر، والمتأمل للإمام أحمد في ذلك يرى أدباً جماً من هذا الإمام مع أشياخه، فقد روى الخلال أن أحمد جاء إلى وكيع -وهو شيخه- وعنده جماعة من الكوفيين، فجلس بين يديه من أدبه وتواضعه، فقيل: يا أبا عبد الله؛ إن الشيخ ليكرمك فما لك لا تتكلم؟ فقال: وإن كان يكرمني فينبغي لي أن أجله(7).
- وقال خلف: (جاءني أحمد بن حنبل يسمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أرفعه، فأبى، وقال: أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه) (Cool.
- وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: (لازمت هشيماً أربعة، أو خمسة أعوام، ما سألته عن شيءٍ –هيبة- إلا مرتين؛ في الوتر، ومسألةٍ أخرى عن أشعث) (9) .
ففي هذا درسٌ وعبرةٌ لمن بلي بالجدل والمراء العقيم، واختلاق الأسئلة، عند أشياخه.
رابعاً: عبادته، وتألهه -رحمه الله-:
إن من أعظم ما يدهشك وأنت تقرأ سيرة هذا الإمام ما ذكره مترجموه في أخبار تعبده، فقد كان هذا الإمام كثير الصلاة، يحيي الليل وهو في ميعة الصبا، وقد بات عنده عاصم بن عصام البيهقي، فجاءه الإمام أحمد بماء فوضعه عنده، فلما أصبح نظر إلى الماء بحاله لم يُمَسّ، فقال: (سبحان الله! رجلٌ يطلب العلم لا يكون له وردٌ بالليل) (10).
وبعضنا تفوته الصلاة الفريضة، أو بعضها، ولا يهتم لذلك ولا يغتم، فاللهم أعطنا ولا تحرمنا.
وكان ملازماً للقرآن تلاوة وتدبراً، وكان يقرأ كل يوم سُبْعاً(11)؛ أي أنه يختم في كل سبع.
ويقول ابنه صالح: كان أبي لا يدع أحداً يستقي له الماء لوضوئه إلا هو، وكان إذا خرجت الدلو ملأى، قال: الحمد لله، قلت: يأبة، أي شيءٍ الفائدة في هذا؟ فقال: يابني، أما سمعت الله –عز وجل- يقول: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ" .(12) [الملك:30].
وقال المَرُّوذي: سمعت أبا عبد الله يقول: قد تفكرت في هذه الآية: "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى". [طه:131]. ثم قال: تفكرت في رزقهم -وأشار نحو العسكر- وقال رزق يوم بيوم خير(13).
خامساً: سهولة أخلاقه وحسن معاشرته -رحمه الله-:
الذي ينبغي لطالب العلم أن يكون سهل الأخلاق، لين الجانب، طلق الوجه، ومن تأمل أخلاق الإمام أحمد يجد أنه أوتي من حسن الخلق حظاً عظيماً، فقد طبعت فيه الأخلاق الحسان، فكأنما هو ربيبها وتوأمها، فقد ذكر عنه مترجموه(14) أنه كان من أحيى الناس، وأكرمهم، وأحسنهم عشرة وأدباً، كثير الإطراق، لا يسمع منه إلا المذاكرة للحديث، وذكر الصالحين في وقار وسكون، ولفظ حسن، وكان دائم البشر، لين الجانب، ليس بفظ.
وكان الفقراء في مجلسه من أعز الناس، وكان مائلاً إليهم، مقصراً عن أهل الدنيا، وكان يحب في الله، ويبغض في الله، وكان إذا بلغه عن رجل صلاح أو زهد أو اتباع الأثر سأل عنه وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وكان إذا أحب رجلاً أحب له ما يحب لنفسه، وكره له ما يكره لنفسه، وكان إذا استشاره الرجل اجتهد له رأيه وأشار عليه بما يرى من صلاح.
وكان حسن اللفظ جميله، قال عنه الميموني -وهو أحد تلامذته-: (كثيراً ما أسأل أبا عبد الله عن الشيء، فيقول: لبيك، لبيك ) (15) .
وقال إسحاق بن إبراهيم -المعروف بلؤلؤ-: (حضر مجلس أبي عبد الله كبش الزنادقة، فقلت له: أي عدو الله، أنت في مجلس أبي عبد الله ما تصنع؟ فسمعني أحمد، فقال مالك؟ فقلت: هذا عدو الله كبش الزنادقة قد حضر المجلس، فقال: من أمركم بهذا؟ عمن أخذتم هذا؟ دعوا الناس يأخذون العلم وينصرفون؛ لعل الله ينفعهم به) (16) .
فما أسمح خلق هذا الإمام، وما أحسن أدبه، وما أبعد نظره!
فهو لا يمنع سيء الاعتقاد من حضور درس العلم؛ مؤملاً أن ينفعه الله به؛ فيترك اعتقاده السيء، وهذا من مكارم الأخلاق؛ التي تجلب الود، وتُحِلُّ الوفاق، وتقرب الناس إلى سلوك الصراط المستقيم.
وكان الإمام أحمد -رحمه الله- إذا لقيه إنسان، بش به، وأقبل عليه، يقول أبوعبيد القاسم بن سلام: (زرت أحمد بن حنبل يوماً في بيته، فأجلسني في صدر داره، وجلس دوني؟ فقلت: يا أبا عبد الله، أليس يقال: صاحب البيت أحق بصدر بيته؟ فقال: نعم، يقعد، ويقعد من يريد. قال: فقلت في نفسي: خذ إليك يا أبا عبيد فائدة. قال: ثم قلت له: يا أبا عبد الله، لو كنت آتيك على ما تستحق لأتيتك كل يوم، فقال: لا تقل، إن لي إخواناً لا ألقاهم إلا في كل سنة مرة، أنا أوثق بمودتهم ممن ألقى كل يوم. قال: قلت: هذه أخرى يا أبا عبيد، فلما أردت القيام قام معي، فقلت: لا تفعل يا أبا عبد الله، فقال: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار، وتأخذ بركابه، قال: قلت: يا أبا عبيد، هذه ثالثة، قال: فمشى معي إلى باب الدار، وأخذ بركابي) (17).
وجاء رجلان إلى الإمام أحمد يريدان الحديث فقال: ( لو جئتكم إلى المنزل، وحدثتكم لكنتم أهلاً لذلك) (18).
وكان -رحمه الله- إذا حضر مجلساً، لا يتصدر، وإنما يجلس حيث ينتهي به المجلس، وإذا أراد القيام، استأذن جلساءه، فقال: (إذا شئتم) (19) .
وكان حسن العشرة لأهله، قال المَرُّوذي: ( سمعت أبا عبد الله، وذكر أهله، فترحم عليها،
وقال: مكثنا عشرين سنة، ما اختلفنا في كلمة) (20) .
سادساً: تواضعه، وعدم زهوه بنفسه وعلمه -رحمه الله-:
التواضع، وخفض الجناح، من صفات العالم المسدد، والكبر والغرور من آفات العلم، والإمام أحمد مع بلوغه في العلم شأواً عظيماً؛ كان آية في التواضع، فكان لا ينأى بجانبه، ولا يفتخر بنفسه، ولا يزهو بعلمه، ولا يرى لنفسه حقاً، وكان لا يتكلف ذلك ولا يتصنعه، وهذه بعض النماذج الدالة على صفة التواضع عنده:
قال محمد بن الفضل -المعروف بعارم-Sadوضع أحمد عندي نفقته، فقلت له يوما، يا أبا عبد الله، بلغني أنك من العرب؟ فقال: يا أبا النعمان، نحن قوم مساكين، فلم يزل يدافعني حتى خرج، ولم يقل لي شيئاً) (21) .
والإمام أحمد من قبيلة عربية أصيلة، ليست بأعجمية ولا مهجنة، فهو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، ويتصل نسبه إلى مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وينتهي إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، ومع ذلك لم يكن يفتخر بشيءٍ من ذلك.
وقال يحيى بن معين: (ما رأيت مثل أحمد، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشئ مما كان فيه من الخير) (22) .
وهذا توفيق إلهي لهذا الإمام؛ فإن النفس لا تسلم من حظوظها غالباً، وتحب أن تظهر مفاخرها وبطولاتها، ولو إشارةً بلحن الكلام، والموفق من وفقه الله.
وقال صالح بن الإمام أحمد: (كان أبي ربما أخذ القدوم، وخرج إلى دار السكان يعمل الشيء بيده، وربما خرج إلى البقال فيشتري الـجُرْزة من الحطب، والشيء فيحمله بيده) (23).
وقال المَرُّوذي: (كان أبو عبد الله لا يدع المشورة إذا كان في أمر؛ حتى إن كان ليشاور من هو دونه) (24).
وقال إسماعيل بن إسحاق الثقفي: (قلت لأبي عبدالله أول ما رأيته، ائذن لي أقبل رأسك؛ فقال: لم أبلغ أنا ذلك) (25).
فالإمام أحمد -رحمه الله- يقول عن نفسه: إنه لم يبلغ منزلة من يقبل رأسه، فليعتبر من ينقبض قلبه، ويضيق صدره إذا لم يفعل ذلك فيه.
وكان الإمام أحمد غير مفتخر بنفسه، ولا مزهو بعمله، قال المَرُّوذي: (قلت لأبي عبد الله: إن بعض المحدثين قال لي: أبو عبد الله لم يزهد في الدراهم وحدها، قد زهد في الناس؟فقال: ومن أنا حتى أزهد في الناس! الناس يريدون أن يزهدوا فيَّ) (26) .
وقال محمد بن موسى: (رأيت أبا عبد الله، وقد قال له خراساني: الحمد لله الذي رأيتك، قال: اقعد، أي شيء ذا؟ من أنا؟ وعن رجل قال: رأيت أثر الغم في وجه أبي عبد الله، وقد أثنى عليه شخص، وقيل له: جزاك الله عن الإسلام خيرا، قال: بل جزى الله الإسلام عني خيرا، من أنا وما أنا؟!)(27).
وقال المَرُّوذي: (سمعت أبا عبد الله؛ أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- وذكر أخلاق الورعين. فقال: أسأل الله أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟!)(28).
وقال علي بن أبي فزارة، قال: (كانت أمي مقعدة من نحو عشرين سنة، فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل، فسله أن يدعو لي، فأتيت، فدققت عليه وهو في دهليزه، فقال: من هذا؟ قلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب، فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا، فوليت منصرفاً، فخرجت عجوز، فقالت: أنت الذي كلمت أبا عبد الله؟ قلت: نعم. قالت: قد تركته يدعو الله لها،فجئت إلى بيتنا، ودققت الباب، فخرجت أمي على رجليها تمشي، فقالت: قد وهب الله لي العافية) (29).
وكان ينكر على من رأى منه خلاف التواضع، وإن كان لم يقصد، يقول هارون بن عبد الله الحمالSadجاءني أحمد بن حنبل بالليل، فدق علي الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد. فبادرت إليه فمساني ومسيته، قلت: حاجة يا أبا عبدالله؟ قال جزت عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد مع الناس) (30) .
سابعاً: وفاؤه ومعرفته الفضل لأهله:
الإمام أحمد طيب الأعراق، كريم الأصل، يعرف الفضل لأهله، وينزل كلاً حسب منزلته، فمن وفائه لشيخه الشافعي، يقول ابن الشافعي محمد: (قال لي أحمد: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم سحراً) (31).
ويقول الإمام أحمد: (إني لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي) (32) .
وكان الإمام الشافعي -رحمه الله- يثني على الإمام أحمد، ويزوره، فلما قيل له، أنشد:
قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الزيارة كلها من أجله
إن زرته فلفضله أو زارني فبفضله، فالفضل في الحالين له
قيل: أجابه أحمد -رحمه الله- بقوله:
إن زرتنــا فبفـــضل منـــك تمنـــحنا
أو نحـــن زرنا فللفـــضل الـذي فيكا فــلا عدمنــا كلا الفضـــلين منك ولا
نال الذي يتمنـى فيـك شـانيكا(33)
وقال عبد الله بن أحمد،: (قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ قال: يا بني، كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف أو منهما عوض) (34) .
فما أجمل هذه الأخلاق تشيع بين أهل العلم؛ حتى تؤكد صدق الصلة، وتدفع سوء الظن، وتذهب رجز الشيطان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حسن العهد من الإيمان". أخرجه الحاكم(35).
وقال الإمام أحمد في إسحاق بن راهويه -وهو صاحبه وقرينه-Sadلم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء؛ فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً) (36).
فالإمام أحمد يثني على إسحاق بن راهويه مع أنه يخالفه في أشياء؛ ليبين أن الخلاف لا يفسد للود قضية، وأن مخالفة العالم للعالم لا تمنع العالم من الثناء عليه، وتبيين منزلته المستحقَّة عند الناس؛ لأن الخلاف لا بد واقع، فلابد أن تتسع القلوب؛ لاستيعابه، وهذه لا يملكها إلا موفق، قد سلم من أدواء النفس.
ويقول ابن المنادي، عن جده أبي جعفرSadكان -يعني الإمام أحمد - يفعل بيحيى بن معين -وهو صاحبه- ما لم أره يعمل بغيره من التواضع والتكريم والتبجيل، وكان يحيى أكبر منه بسبع سنين ) (37).
وقال يحيى بن أكثم: (ذكرت لأحمد بن حنبل يوماً بعض إخواننا، وأنه تغير علينا، فأنشأ أبو عبد الله يقول:
وليـــس خليلـــي بالملــول ولا الذي
إذا غبـــت عنـــه باعنــــي بخــليـــل ولكــن خــليــلي مــن يـدوم وصـاله
ويحفظ سري عند كل خليل) (38)
نعم فليس خليلاً صادقاً من ينفر من خليله من خطأٍ بدر منه؛ لأنه لا يسلم من الخطأ أحد، وأي الناس ليس له عيوب، وأي الرجال المهذب، ومن لك يوماً بأخيك كله:
ومن لا يغمــض عيــنه عن صــديقه
وعن بعض ما فيــه يمت وهو عاتب
ومن وفائه ترحمُّه على زوجته بعد موتها، وذكره بعض محاسنها، قال المَرُّوذي: (سمعت أبا عبد الله، وذكر أهله، فترحم عليها،وقال: مكثنا عشرين سنة، ما اختلفنا في كلمة) (39).
سبحان الله عشرون سنة لم يختلفا في كلمة، وبعضنا قد لا تمر عليه عشرون ساعة إلا وقد شاقق أهله أو نازع، وأظن أن اختلاف وجهات النظر لا يسلم منها منزل، ولكن لعل الإمام أحمد يدرؤها بالتغافل الذي هو عنده عشرة أعشار العافية -كما سيأتي-.
ثامناً: حلمه، وعفوه -رحمه الله-:
لقد أفاض مترجمو الإمام أحمد في ذكرهم هذه الصفة له -رحمه الله-، وأنه كان لا يجهل، وإن جهل عليه احتمل وحلم وقال: يكفيني الله، وكان يحتمل الأذى، ولم يكن بالحقود، ولم يكن يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، لكن إذا كان في أمر الدين؛ فإنه يشتد غضبه، وهذه نماذج من سيرته دالة على هذا:
قال المَرُّوذي: (وقع بين عم أبي عبدالله وجيرانه منازعة، فكانوا يجيئون إلى أبي عبد الله فلا يظهر لهم ميلَه إلى عمه، ولا يغضب لعمه، ويلقاهم بما يعرفونه من الكرامة) (40).
فليعتبر من إذا حصل له مثل هذا الموقف أو أدنى منه؛ خاصم وفجر، وعبس وبسر، وقطع وهجر.
أو تجد أن بعضهم إذا رأى أن قريبه أو حبيبه أو شيخه عادى فلاناً من الناس عاداه فزعةً، وربما أنه لا يدري ما السبب في هذه المعاداة!
وكان الإمام أحمد -رحمه الله- حسن الجوار يؤذى فيحتمل الأذى من الجيران، قال المَرُّوذي: (لقد أخبرني بعض جيرانه، ممن بينه وبينه حائط قال: كان لي برج فيه حمام، وكان يشرف على أبي عبد الله، فكنت أصعد وأنا غلام أشرف عليه، فمكث على ذلك صابراً لا ينهاني؛ فبينا أنا يوماً إذ صعد عمي فنظر إلى البرج مشرفاً على أبي عبد الله، فقال: ويحك، أما تستحي تؤذي أبا عبدالله؟! قلت له: فإنه لم يقل لي شيئاً. قال: فلست أبرح حتى تهب لي هذه الطيور، فما برح حتى وهبتها له، فذبحها وهدم البرج) (41) .
- وقال المَرُّوذي: (وذكر له -يعني أحمد- رجل، فقال: ما أعلم إلا خيراً، قيل له: قولك فيه خلاف قوله فيك؟ فتبسم، وقال: ما أعلم إلا خيراً، هو أعلم وما يقول، تريد أن أقول ما لا أعلم! وقال: رحم الله سالماً زحمت راحلته راحلة رجل، فقال الرجل لسالم: أراك شيخ سوء، قال: ما أبعدت) (42).
وقال عبد الله بن محمد الوراق: (كنت في مجلس أحمد بن حنبل، فقال: من أين أقبلتم؟ قلنا: من مجلس أبي كريب، فقال: اكتبوا عنه، فإنه شيخ صالح، فقلنا: إنه يطعن عليك؟ قال: فأي شئ حيلتي، شيخ صالح قد بلي بي) (43).
سبحان الله! أي شيءٍ هذه الأخلاق العظام التي أوتيها هذا الإمام، يُحدَّث، فيقال له: إن الذي تمدحه يطعن فيك، فلا يتغير ولا يطيش، ولا يستخفه ذلك؛ بل يثني على الطاعن بما يرى أنه أهله.
إنه التوفيق الإلهي، وإذا أراد بعبد خيراً طبع فيه صفات الخير، فيبذلها أسلس من الماء، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً.
وليفرض أحدنا أن مثل هذا الموقف وقع له فما تراه يفعل؟!
فهذا من المواطن التي يُعرف بها صدق دعوى الحلم.
ومن مواقف هذا الإمام في العفو؛ أنه قد لاقى في فتنة القول بخلق القرآن الشدائد والألاقي؛ من سجنٍ وأغلالٍ، وجَلْدٍ يصل إلى أن يفقد الإمام وعيه، وحَبْسٍ في البيت يُمنع فيه من الخروج للصلاة، ومع ذلك قال: (كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعاً، وقد جعلت أبا إسحاق -يعني: المعتصم- في حل، ورأيت الله يقول: "...وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" .[النور:22] وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مسطح، ثم قال الإمام أحمد: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟!)(44) .
"وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" . [فصِّلت:35].
فمثل هذا الموقف لا يسطيعه إلا موفق، ذو حظ عظيم في الخير والمبرات؛ ولا يناله إلا صاحب همة علية؛ ذو مروءة جزلة؛ فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته، وعدم العفو عنه، فرضي الله عن الإمام أحمد وأرضاه.
تاسعاً: خوفه ووجله من ربه -رحمه الله-:
وهذه صفة المؤمنين الصادقين، فكلما ازدادوا من الصالحات زاد خوفهم من الله، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألت رسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية "وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ...". [المؤمنون:60]قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: (لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، "أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ..." . الآية. [المؤمنون:61] أخرجه الترمذي(45) وابن ماجه(46) .
وهي صفة العلماء المخلَصين؛ فإن الله سبحانه قال: "إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ" . [فاطر:28].
والإمام أحمد -رحمه الله- من الأئمة في هذا:
يقول ابنه صالح: "كنت أسمعه كثيراً يقول: اللهم سلم سلم"(47).
وقال ابنه صالح أيضاًSadكان أبي إذا دعا له رجل، يقول: الأعمال بخواتيمها) (48).
وقال ابنه عبد الله: (سمعت أبي يقول: وددت أني أنجو من هذا الأمر كفافاً؛ لا علي ولا لي) (49).
وقال المَرُّوذي: (قلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعين لك! فتغرغرت عيناه، وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجاً) (50).
وقال المَرُّوذي –أيضاً-: (كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت، خنقته العبرة) (51).
وقال المَرُّوذي –أيضاً-: (أدخلت إبراهيم الحصري على أبي عبد الله -وكان رجلاً صالحاً- فقال: إن أمي رأت لك مناماً، هو كذا وكذا، وذكرت الجنة، فقال: يا أخي، إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا، وخرج إلى سفك الدماء، وقال: الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره ) (52).
|1|2|3|
(1) سير أعلام النبلاء 11 / 296
(2) المناقب لابن الجوزي ص243
(3) الآداب الشرعية لابن مفلح 1 / 484
(4) طبقات الحنابلة 1/97
(5) سير أعلام النبلاء 11 / 342
(6) سير أعلام النبلاء 11 / 335
(7) الآداب الشرعية لابن مفلح 2 / 145
(Cool المناقب لابن الجوزي ص71
(9) تاريخ بغداد 14/89
(10) سير أعلام النبلاء 11 / 298
(11) المناقب ص 382
(12) المناقب ص382
(13) الورع ص128
(14) ينظر : سير أعلام النبلاء 11/215والآداب الشرعية1/457و 2/145
(15) سير أعلام النبلاء11/218
(16) الآداب الشرعية2/147
(17) المناقب لابن الجوزي ص152
(18) الآداب الشرعية 2/285
(19) سير أعلم النبلاء 11/213والآداب الشرعية 2/145
(20) سير أعلام النبلاء 11 / 332
(21) سير أعلام النبلاء 11 / 187
(22) سير أعلام النبلاء 11 / 214
(23) المناقب لابن الجوزي ص367
(24) الآداب الشرعية 1/457
(25) المناقب ص367
(26) الورع للمروذي ص494
(27) السير11/211
(28) كتاب الورع ص 6
(29) المناقب ص398
(30) المناقب ص301
(31) سير أعلام النبلاء 11 / 227
(32) سير أعلام النبلاء 10 / 82
(33) ذكر ذلك أبو الثناء الحميدي ، كما في ترجمته من النعت الأكمل ، أفاد ذلك الشيخ بكر أبوزيد - رحمه الله - في المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد ص369 (34) سير أعلام النبلاء 10 / 45
(35) المستدرك 1/62
(36) تهذيب الكمال 2 / 381
(37) سير أعلام النبلاء11/318
(38) الآداب الشرعية لابن مفلح 2 / 227
(39) سير أعلام النبلاء 11 / 332
(40) الآداب الشرعية لابن مفلح 2 / 145
(41) المناقب لابن الجوزي ص299 والآداب الشرعية لابن مفلح 2 / 145
(42) الورع للمروذي ص148
(43) سير أعلام النبلاء 11 / 317
(44) سير أعلام النبلاء 11 / 261
(45) سنن الترمذي (3175)
(46) سنن ابن ماجه (4198)
(47) سير أعلام النبلاء 11 / 209
(48) سير أعلام النبلاء 11 / 226
(49) المناقب ص379
(50) الورع للمروذي ص152
(51) سير أعلام النبلاء 11 / 215
(52) سير أعلام النبلاء 11 / 227
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nobalaa.forumegypt.net
ام سيف الله
الاداره
الاداره
avatar

الساعة الان :
رسالة sms :


انثى

عدد المساهمات : 1657
تاريخ التسجيل : 05/05/2011
العمر : 41
الموقع : http://nobalaa.forumegypt.net/
المزاج : سعيده


مُساهمةموضوع: رد: ترجمة امام اهل السنه احمد بن حنبل العالم القدوة   الأحد 02 أكتوبر 2011, 12:51 am


http://www.mktaba.org/img/sign_02.gif
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ترجمة امام اهل السنه احمد بن حنبل العالم القدوة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نبلاء الاسلام :: فتاوي ومقالات اسلاميه لجميع مشايخ اهل السنه :: تراجم العلماء-
انتقل الى: