نبلاء الاسلام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مرحباً بك زائرنا الكريم
يسعدنا تسجيلك في منديات نبلاء الاسلام لتكون من اسرة هذا البيت الراقي بكم ولكم

نبلاء الاسلام

اسلامي علي منهج اهل السنه بفهم سلف الامه
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر
 

 - باب الشفاعة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ايهاب محمد النعناعى
عضو فضي
عضو فضي
ايهاب محمد النعناعى

الساعة الان :
رسالة sms : النص
-                                         باب الشفاعة Jb12915568671
عدد المساهمات : 96
تاريخ التسجيل : 02/10/2012

-                                         باب الشفاعة Empty
مُساهمةموضوع: - باب الشفاعة   -                                         باب الشفاعة Emptyالسبت 06 أكتوبر 2012, 12:00 am

11]
لما كان المشركون في قديم الزمان وحديثه إنما وقعوا في الشرك لتعلقهم بأذيال الشفاعة، كما قال تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}1. وقال تعالى:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}2. وكذلك قطع الله أطماع المشركين منها، وأخبر أنه شرك، ونزه نفسه عنه، ونفى أن يكون الخلق من دونه ولي أو شفيع، كما قال تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا
-----------------------ـ
1 سورة يونس آية: 18.
2 سورة الزمر آية: 3.

ص -228- تَتَذَكَّرُونَ}1. أراد المصنف في هذا الباب إقامة الحجج على أن ذلك هو عين الشرك وأن الشفاعة التي يظنها مَنْ دعا غير الله ليشفع له كما يشفع الوزير عند الملك منتفية دنيا وأخرى، وإنما الله هو الذي يأذن للشافع ابتداء، لا يشفع ابتداء كما يظنه أعداء الله. فإن قلت: إذا كان من اتخذ شفيعا عند الله، إنما قصده تعظيم الرب تعالى وتقدس أن يتوصل إليه إلا بالشفعاء، فلم كان هذا القدر شركًا؟!
قيل: قصده للتعظيم لا يدل على أن ذلك تعظيم لله تعالى، فكم من يقصد التعظيم لشخص ينقصة بتعظيمه، ولهذا قيل في المثل المشهور: يضر الصديق الجاهل ما لا يضر العدو العاقل. فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضم لحق الربوبية، وتنقص للعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال تعالى:{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}2 فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه وتعالى عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره وكيف يقدره حق قدره من اتخذ من دونه ندًا، أو شفيعًا يحبه ويخافه ويرجوه، ويذل له، ويخضع له ويهرب من سخطه ويؤثر مرضاته ويدعوه ويذبح له وينذر، وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا وهم في النار أنها كانت باطلا وضلالاً، فيقولون وهم في النار:{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}3. ومعلوم، أنهم ما ساووهم به في الذات والصفات والأفعال، ولا قالوا: إن آلهتكم خلقت السماوات والأرض وإنها تحيي وتميت، وإنما ساووهم به في المحبة والتعظيم والعبادة، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب إلى الإسلام، وإنما كان ذلك هضمًا لحق الربوبية، وتنقصًا لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، لأن
-----------------------ـ
1 سورة السجدة آية: 4.
2 سورة الفتح آية: 6.
3 سورة الشّعراء آية: 97-98.

ص -229- المتخذ للشفعاء والأنداد، إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى مَنْ يدبّر أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو معين، وهذا أعظم التنقص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشفيع، وإما أن يظن أنه لا يعلم حتى يعلمه الشفيع، أو لا يرحم حتى يجعله الشفيع يرحم، أو لا يكفي وحده، أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده كما يشفع عند المخلوق، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الشفيع أن يرفع حاجتهم إليه، كما هو حال ملوك الدنيا. وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع حتى يرفع الشفيع إليه ذلك، أو يظن أن للشفيع عليه حقًا، فهو يقسم عليه بحقه، ويتوسل إليه بذلك الشفيع، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم، ولا تمكنهم مخالفته، وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها. ذكر معناه ابن القيم.فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه وتعالى أن ذلك شرك، ونزه نفسه عنه فقال:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}1.
فإن قلت: إنما حكم سبحانه وتعالى بالشرك على من عبد الشفعاء، أما من دعاهم للشفاعة فقط، فهو لم يعبدهم، فلا يكون ذلك شركًا.
قيل: مجرد اتخاذ الشفعاء ملزوم للشرك، والشرك، لازم له كما أن الشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه وتعالى، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، وعلى هذا فالسؤال باطل من أصله لا وجود له في الخارج، وإنما هو شيء قدره المشركون في أذهانهم، فإن الدعاء عبادة، بل هو مخ العبادة، فإذا دعاهم للشفاعة، فقد عبدهم وأشرك في عبادة الله شاء أم أبى.
قال: وقول الله عز وجل:{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ}2 .
-----------------------ـ
1 سورة يونس آية: 18.
2 سورة الأنعام آية: 51.

ص -230- ش: الإنذار: هو الإعلام بموضع المخافة- وقوله: "به"، قال ابن عباس بالقرآن وقوله:{الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ}1، أي أنذر يا محمد بالقرآن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. الذين يخشون ربهم، ويخافون سوء الحساب، وهم المؤمنون، كما روي ذلك عن ابن عباس والسدي وعن "الفضيل بن عياض: ليس كل خلقه عاتب، إنما عاتب الذين يعقلون فقال:{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ}، أي: وهم المؤمنون أصحاب القلوب الواعية، فإنهم المقصودون، والمنظور إليهم لا أصحاب التجمل والسيادة،فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"
وقوله:{لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ}2. قال الزجاج: موضع "ليس" نصب على الحال كأنه قال: متخلين من ولي وشفيع، والعامل فيه "يخافون". وقال ابن كثير: ليس لهم من دونه يومئذ ولي ولا شفيع من عذابه إن أرادهم به لعلهم يتقون، فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به من عذابه يوم القيامة. قلت: فنفى سبحانه وتعالى عن المؤمنين أن يكون لهم ولي أو شفيع من دون الله كما هو دين المشركين، فمن اتخذ من دون الله شفيعا، فليس من المؤمنين، ولا تحصل له الشفاعة.وليس في الآية دليل على نفي الشفاعة لأهل الكبائر بإذن الله كما ادعته المعتزلة، بل فيها دليل على نفي اتخاذ الشفعاء من المؤمنين، وعلى نفيها بغير إذن الله، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع كما قال:{مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}3.
قال وقوله: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}، [الزّمر، من الآية: 44].
ش: هكذا أوردها المصنف، ونتكلم عليها وعلى الآية التي قبلها ليتضح المعنى. قال الله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ
-----------------------ـ
1 سورة الأنعام آية: 51.
2 سورة الأنعام آية: 51.
3 سورة يونس آية: 3.

ص -231- جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، [الزّمر: 43-44].فقوله: {أَمِ اتَّخَذُوا}، أي: بل اتخذوا، أي: المشركون. والهمزة للإنكار من دون الله شفعاء، أي: أتشفع لهم عند الله بزعمهم كما قال:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}1.
وقال:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}2. فكذبهم وكفرهم بذلك وقال تعالى:{فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}3. فهذا هو مقصود المشركين ممن عبدوهم وهو الشفاعة لهم عند الله.
قوله: من دون الله. أي: من دون إذنه وأمره. والحال أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأن يكون المشفوع له مرتضى، وههنا الشرطان مفقودان، فإن الله سبحانه لم يجعل اتخاذ الشفعاء ودعاءهم من دونه سببًا لإذنه ورضاه، بل ذلك سبب لمنعه وغضبه.
قوله:{قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ}4. أي: أيشفعون ولو كانوا على هذه الصفة كما تشاهدونهم جمادات لا تقدر ولا تعلم، أو أموات كذلك، حتى ولا يملكون الشفاعة كما قال:{قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}، أي: هو مالكها كلها فليس لمن تدعونهم منها شيء، قال البيضاوي: لعله رد لما عسى يجيبون به وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون، هي تماثيلهم. والمعنى: أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه، ولا يستقل بها.
وقوله:{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}. تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه بأنه مالك الملك كله، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه، فاندرج في ذلك ملك الشفاعة، فإذا كان هو مالكها بطل اتخاذ الشفعاء من دونه كائنًا من كان.
وقوله:{ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، أي:
-----------------------ـ
1 سورة يونس آية: 18.
2 سورة الزمر آية: 3.
3 سورة الأحقاف آية: 28.
4 سورة الزمر آية: 43.

ص -232- فتعلمون أنهم لا يشفعون، ويخيب سعيكم في عبادتهم، بل، يكونون عليكم ضدًا ويتبرؤون من عبادتكم كما قال تعالى:{كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}1،وقال تعالى:{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}2.
قال: وقوله:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}3 .
في هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين وغيرهم، وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر ذلك عليهم، وبين عظيم ملكوته وكبريائه وأن أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام كقوله: {لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ}، [النبأ، من الآية: 38].
وقوله:{يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود]. قال ابن جرير في هذه الآية: نزلت لما قال الكفار: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى فقال الله تعالى:{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء بالشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء وغيرهم، والإذن راجع إلى الأمر فيما نص عليه كمحمد صلى الله عليه وسلم إذا قيل له: اشفع تشفع، وكذلك قاله غير واحد من المفسرين.
[بيان أنه لا شفاعة إلا بإذن الله]
قال: وقوله:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}4
ش: قال أبو حيان: "كم" خبرية ومعناها: التكثير، وهي في موضع رفع بالابتداء والخبر. "لا تغني" والغناء جلب النفع، ودفع الضرر بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء. و"كم": لفظها مفرد، ومعناها جمع. وإذا كانت الملائكة المقربون{لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ}
-----------------------ـ
1 سورة مريم آية: 82.
2 سورة يونس آية: 28-29.
3 سورة البقرة آية: 255.
4 سورة النجم آية: 26.

ص -233- إلا بعد إذن الله ورضاه أن يرضاه أهلا للشفاعة، فكيف تشفع الأصنام لمن عبدها؟ قلت: في هذه الآيات من الرد على مَنْ عَبَدَ الملائكة والصالحين لشفاعة أو غيرها ما لا يخفى، لأنهم إذا كانوا لا يشفعون إلا بإذن من الله ابتداء، فلأي معنى يُدعَون ويُعْبَدُون؟ وأيضًا فإن الله لا يأذن إلا لمن ارتضى.
قوله: (وعمله)، وهو الموحد لا المشرك. كما قال:{يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً}1 والله لا يرتضي إلا التوحيد كما قال:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}2.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه"3. فلم يقل: أسعد الناس بشفاعتي مَنْ دعاني.
فإن قال المشرك: أنا أعلم أنهم لا يشفعون إلا بإذنه لكن أدعوهم ليأذن الله لهم في الشفاعة لي. قيل: فإن الله لم يجعل الشرك به ودعاء غيره سببًا لإذنه ورضاه، بل ذلك سبب لغضبه، ولهذا نهى عن دعاء غيره في غير آية كقوله:{وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ}4.
فتبين أن دعاء الصالحين من الملائكة والأنبياء وغيرهم شرك كما كان المشركون الأولون "يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله، فأنكر الله عليهم ذلك، وأخبر أنه لا يرضاه، ولا يأمر به كما قال تعالى:{وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}5. وقال تعالى:{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ}6. قال ابن كثير: تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدنيا: فنقول الملائكة:{تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}.وقال تعالى:{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}7
-----------------------ـ
1 سورة طه آية: 109.
2 سورة آل عمران آية: 85.
3 البخاري: العلم (99) , وأحمد (2/373).
4 سورة يونس آية: 106.
5 سورة آل عمران آية: 80.
6 سورة البقرة آية: 166.
7 سورة المائدة آية: 116.

ص -234- وقال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً}1.
روى سعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن جرير عن ابن مسعود في الآية: "كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن فأسلم نفر من الجن وتمسك الإنسيون بعبادتهم فأنزل الله:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ}" كلاهما بالياء.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن "ابن عباس في الآية لما كان أهل الشرك يعبدون الملائكة والمسيح وعزيرًا. وفي رواية عنه عندهما في قوله:{فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ} قال عيسى وأمه وعزير.وقال تعالى:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}2 إلى قوله:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى}3 قال ابن إسحاق: لما ذكر قصة ابن الزبعري ومخاصمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية قال: وأنزل الله:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ...}4 الآيتين، أي: عيسى وعزير ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على أمر الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله. وقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ}5 الآيات.
وروى ابن أبي حاتم عن الزهري قال: "نزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من السب والشتم والشر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما نال أصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالتهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم] ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الطواغيت فقال: تلك الغرانيق العلا، وإن
-----------------------ـ
1 سورة الإسراء آية: 56.
2 سورة الأنبياء آية: 98.
3 سورة الأنبياء آية: 101.
4 سورة الأنبياء آية: 101.
5 سورة الحج آية: 52.

ص -235- شفاعتهن لترتجى، وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وذلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر النجم، سجد، وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك، ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة فأنزل الله:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ...} الآيات. فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بعداوتهم وضلالتهم للمسلمين، واشتدوا عليه ". وهي قصة مشهورة صحيحة رويت عن ابن عباس من طرق بعضها صحيح. ورويت عن جماعة من التابعين بأسانيد صحيحة منهم عروة وسعيد بن جبير وأبو العالية وأبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة، والضحاك وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس والسدي وغيرهم. وذكرها أيضًا أهل السير وغيرها وأصلها في "الصحيحين" .
والمقصود منها قوله: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. فإن الغرانيق هي الملائكة على قول، وعلى آخر هي الأصنام ولا تنافي بينهما، فإن المقصود بعبادتهما الأصنام الملائكة والصالحين كما تقدم عن البيضاوي. فلما سمع المشركون هذا الكلام المقتضي لجواز عبادة الملائكة رجاء شفاعتهم عند الله ظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، فرضوا عنه وسجدوا معه، وحكموا بأنه قد وافقهم على دينهم من دعاء الملائكة والأصنام للشفاعة حتى طارت الكلمة كل مطار، وبلغ المهاجرين إلى الحبشة أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفت أن الفارق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مسألة الشفاعة، لأنم يقولون: نريد من الملائكة

ص -236- والأصنام المصورة على صورهم بزعمهم أن يشفعوا لنا عند الله، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أتاهم بإبطال ذلك، والنهي عنه، وتكفير من دان به وتضليلهم وتسفيه عقولهم ولم يرخص لهم في سؤال الشفاعة من الملائكة، ولا من الأنبياء ولا الأصنام، بل أتاهم بقوله تعالى:{قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}. وقوله:{أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}1. وهذا كثير جدًا لمن تتبعه.
والمقصود أن المشركين الأولين يدعون الملائكة والصالحين ليشفعوا لهم عند الله، كما تشهد به نصوص القرآن، وكتب التفسير والسير، والآثار طافحة بذلك، ويكفي العاقل المنصف قوله تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ}2.
قال: وقوله:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ...}3 .
ش: هذه الآية هي التي قال فيها بعض العلماء: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها. قال ابن القيم في الكلام عليها: وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها قطعًا، يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليًا، فمثله{كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} [العنكبوت]، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن يكون فيه خصالا من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له، كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا، كان شفيعًا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة التي، قال: فهو الذي يأذن
-----------------------ـ
1 سورة آية: 23-24.
2 سورة آية: 40-41.
3 سورة سبأ آية: 22.

ص -237- للشافع، وإن لم يأذن له لم يتقدم في الشفاعة بين يديه كما يكون في حق المخلوقين، فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له، فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها، وأما كل ما سواه فقير إليه بذاته وهو الغني بذاته عن كل ما سواه، فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه؟!
فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها. والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنه في نوع، وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، وهذا الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم وشر منهم ودونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية". وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما دعا به القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه الجاهلية، أو نظيره أو شر منه أو دونه، فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد ويبدع بتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا، فالله المستعان.
وقال الله تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء المشركين:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}1. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليًا يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى، وما أعز من يخلص من هذا بل ما أعز من يعادي من أنكره. والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، وقد أنكره الله عليهم في كتابه، وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه
-----------------------ـ
1 سورة الزمر آية: 3.

ص -238- لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله تعالى أن يشفع له فيه، ورضي قوله وعملة. وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، فإنه سبحانه وتعالى يأذن في الشفاعة فيهم لمن يشاء، حيث لم يتخذوهم شفعاء من دونه، فيكون أسعد الناس بشفاعته من يأذن الله تعالى له، صاحب التوحيد الذي لم يتخذ شفيعا من دون الله. والشفاعة التي أثبتها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده، والتي نفاها الله تعالى هي الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين من دون الله شفعاء، فيعاملون بنقيض مقصودهم من شفاعتهم، ويفوز بها الموحدون. انتهى.
ولكن تأمل الآية كيف أمرهم تعالى بدعاء الملائكة أمر تعجيز، والمراد بيان أنهم لا يملكون شيئا، فلا يدعون لا لشفاعة ولا غيرها، ثم أخبر أنهم هم الذين اتخذوهم بزعمهم شفعاء فنسبه إلى زعمهم وإفكهم الذي ابتدعوه من غير برهان ولا حجة من الله وهذه الآية نزلت في دعوة الملائكة، ودخول غيرهم فيها من باب أولى، كما روى ابن أبي حاتم عن السدي في قوله:{وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ}. يقول: من عون الملائكة. وكما يدل عليه قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}. كما تقدم.
فإذا كان اتخاذ الملائكة شفعاء من دون الله شركًا، فكيف باتخاذ الأموات كما يفعله عباد القبور؟ أم كيف باتخاذ الفجار والفساق إخوان الشياطين من المجاذيب الذين جذبهم إبليس إلى جانبه وطاعته شفعاء؟ وأعظم من ذلك اعتقاد الربوبية في هؤلاء الملاعين مع ما يشاهده الناس منهم من الفجور، وأنواع الفسوق، وترك الصلوات، وفعل المنكرات، والمشي في الأسواق عراة.
كما قال بعض المتأخرين:
كقوم عراة في ذرى مصر ما يرى على عورة منهم هناك ثياب .
يدورون فيها كاشفين لعورة تواتر هذا لا يقال كذاب.
يعدونهم في مصرهم فضلاءهم دعاؤهم فيما يرون مجاب
ومن العجب أنهم لم يأتوا بشيء يدل على كون هؤلاء الشياطين

ص -239- من جملة المسلمين، فضلا عن كونهم أولياء، فضلاً عن كونهم يدعون ويستغاث بهم إلا بشيء من المخاريق والسحر والشعبذة، يدعون أن لهم كرامات، وأنهم أولياء لما يظهرونه من المخاريق.
وأعلم أن الضلال والكفر إنما استولى على أكثر المتأخرين بسبب نبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإحسان الظن بمن سحرهم، ودعا إلى نفسه، واقتصارهم على القوانين والدعاوي والأوضاع التي وضعوها لأنفسهم، وإلا فلو قرؤوا كتاب الله، وعلموا بما فيه، ورجعوا عند الاختلاف إليه لوجدوا فيه الهدى والشفاء والنور، ولكن نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا فبئس ما يشترون وتقدم الكلام على بقية الآية.
قال المؤلف: قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون ، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة. فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى}. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له. ارفع رأسك، وقل يسمع، واسأل تعط واشفع تشفع. وقال له أبو هريرة: "من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه "1. فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن أشرك، بالله وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
-----------------------ـ
1 البخاري: العلم (99) , وأحمد (2/373).

ص -240- ش: قوله: قال أبو العباس. هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، الإمام المشهور، صاحب "المصنفات" شهرته وإمامته في علوم الإسلام وتفننه تغني عن الإطناب في وصفه. قال الذهبي: لم يأت قبلة بخمس مائة سنة مثله، وفي رواية: بأربع مائة وقال أيضًا: لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني لم أر مثله. وما رأي بعينيه مثل نفسه رحمه الله. وقال ابن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما يشاء، ويدع ما يشاء. وبالجملة فما أتى بعد عصر الإمام أحمد له نظير، وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
قوله: نفي الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، أي: أن الله تعالى نفى في الآية المذكورة قبل ما يتعلق به المشركون من الاعتقاد في غير الله من الملك والشركة فيه والمعاونة والشفاعة، فهذه الأمور الأربعة هي التي يتعلق بها المشركون.
قوله: فنفى أن يكون لغيره ملك، وذلك في قوله تعالى:{لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ}1. ومن لا يملك هذا المقدار فليس بأهل أن يدعى
قوله: أو قسط منه. أي من الملك، والقسط- بكسر القاف- هو النصيب من الشيء، وذلك في قوله:{وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ}. أي: ما لمن تدعون من الملائكة وغيرهم فيها، أي: في السماوات والأرض من شرك ومن ليس بمالك ولا شريك للمالك فكيف يدعي من دون الله؟!
قوله: أو أن يكون عونًا لله، وذلك في قوله:{وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} أي ما لله ممن تدعونهم عون.
قوله: ولم يبق إلا الشفاعة، فتبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب. إلخ. جملة الشروط التي لا بد وأن يكون أحدها في المدعو، أربعة حتى يقدر على إجابة من دعاه:
-----------------------ـ
1 سورة سبأ آية: 22.

ص -241- الأول: الملك، فنفاه بقوله: {لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ}1 .
الثاني: إذا لم يكن مالكا فيكون شريكا للمالك،. فنفاه بقوله: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ}.
الثالث: إذا لم يكن مالكا ولا شريكا للمالك فيكون عونا ووزيرًا فنفاه بقوله: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ}
الرابع: إذا لم يكن مالكا ولا شريكا ولا عونًا فيكون شفيعا، فنفى سبحانه وتعالى الشفاعة عنده إلا بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع ابتداء فيشفع، فبنفي هذه الأمور بطلت دعوة غير الله، إذ ليس عند غيره من النفع والضر ما يوجب قصده بشيء من العبادة. كما قال تعالى:{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً}2.
وقال تعالى:{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ}3. وقال تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً}4 .
قوله: فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن. يعني أن الشفاعة التي يطلبها المشركون من الشفعاء والأنداد من دون الله منتفية دنيا وأخرى، كما قال تعالى عن مؤمن يس:{أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}5. وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون:{لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ}6. وقال تعالى:{فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}7. وقال تعالى:{فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي
-----------------------ـ
1 سورة سبأ آية: 22.
2 سورة الفرقان آية: 3.
3 سورة آية: 74-75.
4 سورة الفرقان آية: 55.
5 سورة آية: 23-24.
6 سورة غافر آية: 43.
7 سورة الأحقاف آية: 28.

ص -242- يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ}1. وقال تعالى:{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}2. وقال تعالى:{وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ}3. فهذه حال كل من دعي من دون الله لشفاعة أو غيرها في الدنيا والآخرة
قوله: وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولاً. إلى آخره. هذا ثابت في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أنس وغيره عنه صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال: "فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيته وقعت له، أو خررت ساجدا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم قال: ارفع محمد، قل يسمع واشفع تشفع، وسل تعطه، فأرفع رأسي فأحمد بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه الثانية، فإذا رأيت ربي وقعت له، أو خررت ساجدًا لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، قل يسمع، وسل فتعطه. واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم اشفع فيحد لي حدًا، فأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت له، أو خررت ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلّمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن" الحديث، فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يشفع إلا بعد الإذن في الشفاعة وفي المشفوع فيهم، كما قال: "فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة"4 .
[أنواع الشفاعة التي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم في القيامة]
قوله: وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك إلى آخره.
-----------------------ـ
1 سورة هود آية: 101.
2 سورة الأنعام آية: 94.
3 سورة القصص آية: 64.
4 البخاري: تفسير القرآن (4476) , ومسلم: الإيمان (193) , وابن ماجه: الزهد (4312) , وأحمد (3/116 ,3/244 ,3/247).

ص -243- هذا الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة فقال: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه"1. وفي رواية: "خالصًا مخلصًا من قلبه أو نفسه "2 رواه أحمد من طريق آخر، وصححه ابن حبان، وفيه: "وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا، يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه"3 .
قال شيخ الإسلام: فجعل أسعد الناس بشفاعته أكملهم إخلاصًا. وقال في الحديث الصحيح: "من سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة"4. ولم يقل: كان أسعد الناس بشفاعتي، فعلم أن ما يحصل للعبد بالتوحيد والإخلاص من شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرها ما لا يحصل بغيره من الأعمال، وإن كان صالحا لسؤال الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بما لم يأمر به من الأعمال، بل نهى عنه، فذلك لا يُنال به خيرٌ لا في الدنيا ولا في الآخرة، مثل غلو النصارى في المسيح، فإنه يضرهم ولا ينفعهم، ونظير هذا في "الصحيح" عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا"5. وكذلك في أحاديث الشفاعة كلها إنما يشفع في أهل التوحيد، فبحسب توحيد العبد لربه، وإخلاصه دينه لله تعالى يستحق كرامة الله بالشفاعة وغيرها.
وقال ابن القيم ما معناه: تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين من أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي صلى الله عليه وسلم ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع. ومن جهل
-----------------------ـ
1 البخاري: الرقاق (6570) , وأحمد (2/373).
2 البخاري: العلم (99) , وأحمد (2/373).
3 أحمد (2/307).
4 مسلم: الصلاة (384) , والترمذي: المناقب (3614) , والنسائي: الأذان (678) , وأبو داود: الصلاة (523) , وأحمد (2/168).
5 البخاري: الدعوات (6304) والتوحيد (7474) , ومسلم: الإيمان (199) , والترمذي: الدعوات (3602) , وابن ماجه: الزهد (4307) , وأحمد (2/275 ,2/313 ,2/381 ,2/396 ,2/409 ,2/426 ,2/430 ,2/486) , ومالك: النداء للصلاة (492) , والدارمي: الرقاق (2805).

ص -244- المشرك اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعًا أنه يشفع له، وينفعه عند الله، كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم، ولم يعلموا أن الله لا يشفع عند أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا من رضي قوله وعمله، قال تعالى في الفصل الأول:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}1.
وفي الفصل الثاني:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}2.
وبقي فصل ثالث وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا توحيده، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فهذه ثلاثة فصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها. انتهى ملخصًا.
وقال الحافظ: المراد بهذه الشفاعة، المسؤول عنها هنا بعض أنواع الشفاعة، وهي التي يقول صلى الله عليه وسلم: "أمتي أمتي"، فيقال له: أخرج من النار من كان في قلبه وزن كذا من الإيمان. فأسعد الناس بهذه الشفاعة من يكون إيمانه أكمل ممن دونه. وأما الشفاعة العظمى فالإراحة من كرب الموقف. فأسعد الناس بها من يسبق إلى الجنة، وهم الذين يدخلونها بغير حساب، ثم الذين يلونهم وهو من يدخلها بغير عذاب بعد أن يحاسب. ويستحق العذاب، ثم من يصيبه لفح من النار ولا يسقط.
واعلم أن شفاعته صلى الله عليه وسلم في القيامة ستة أنواع كما ذكره ابن القيم:
الأول: الشفاعة الكبرى التي يتأخر عنها. أولو العزم عليهم الصلاة والسلام حتى تنتهي إليه فيقول: "أنا لها". وذلك حين يرغب الخلائق إلى الأنبياء ليشفعوا لهم إلى ربهم حتى يريحهم من مقامهم في الموقف. وهذه شفاعة يختص بها، لا يشركه فيها أحد.
الثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخولها. وقد ذكرها أبو هريرة في حديثه الطويل المتفق عليه.
الثالث: شفاعته لقوم من العصاة من أمته قد استوجبوا النار، فيشفع لهم أن لا يدخلوها.
-----------------------ـ
1 سورة البقرة آية: 255.
2 سورة الأنبياء آية: 28.

ص -245- الرابع: شفاعته في العصاة من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بذنوبهم، والأحاديث بها متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة، وبدعوا من أنكرها، وصاحوا به من كل جانب، ونادوا عليه بالضلال.
الخامس: شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفع درجتهم، وهذه مما لم ينازع فيها أحد.
السادس: شفاعته في بعض الكفار من أهل النار حتى يخفف عذابه، وهذه خاصة بأبي طالب وحده.
قوله: وحقيقته. أي: حقيقة الأمر، أي: أمر الشفاعة أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه، وينال المقام المحمود. فهذا هو حقيقة الشفاعة، لا كما يظن المشركون والجهال أن الشفاعة هي كون الشفيع يشفع ابتداء فيمن شاء، فيدخله الجنة وينجيه من النار. ولهذا يسألونها من الأموات وغيرهم إذا زاروهم وذلك أنهم قالوا: إن الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله لا تزال تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به، وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره. وكل ما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به، وشفاعته له.
قال ابن القيم: وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور. وبهذا

ص -246- السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذ أعياد، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد الرسول صلى الله عليه وسلم إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده وكان صلى الله عليه وسلم في شق وهؤلاء في شق. وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله. قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه، صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق بحسب تعلقه به. فهذا سر عبادة الأصنام وهو الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم، وأموالهم، وسبى ذراريهم، وأوجب لهم النار، والقرآن من أوله إلى آخره، مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم. انتهى.
قوله: (وينال المقام المحمود)، أي: المقام الذي يحمده فيه الخلائق
كلهم وخالقهم تبارك وتعالى: قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك المقام، الذي يقومه صلى الله عليه وسلم الشفاعة للناس ليريحهم ربهم مما هم فيه من شدة ذلك اليوم.
وقال "ابن عباس: المقام المحمود مقام الشفاعة". وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود.
قوله: فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك. يعني: أن الشفاعة التي نفاها الله في القرآن هي الشفاعة التي فيها شرك بالله، من دعاء غير الله وعبادته ليشفع له عند الله، فإن الله سبحانه نفى هذه

ص -247- الشفاعة، وأخبر أنها لا تكون أبدًا، بل أخبر أن ذلك شرك، ونزه نفسه عنه، ونفى أن يكون للمؤمنين ولي أو شفيع من دونه، مع أن الشفاعة يوم القيامة لهم بإذنه، لا للمشركين كما قال تعالى:{يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً}1. فنفى سبحانه أن تنفع الشفاعة أحدًا {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ} قوله وعمله، وهو المؤمن المخلص.
وأما المشرك الداعي لغير الله ليشفع له فلا تنفعه الشفاعة، ولا يؤذن لأحد في الشفاعة فيه. كما قال:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}. وقال تعالى:{وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ}2.
قوله: وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره. تقدم ما يتعلق بذلك والله أعلم
-----------------------ـ
1 سورة طه آية: 109.
2 سورة القصص آية: 64.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابودجانه
صاحب الموقع
ابودجانه

الساعة الان :
رسالة sms : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عددخلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته
-                                         باب الشفاعة 6b826fcde0
-                                         باب الشفاعة 174856_170821502968070_6471467_n
ذكر

عدد المساهمات : 1615
تاريخ التسجيل : 05/05/2011
العمر : 58
الموقع : nobalaa.forumegypt.net
المزاج : مبسوط


-                                         باب الشفاعة Empty
مُساهمةموضوع: رد: - باب الشفاعة   -                                         باب الشفاعة Emptyالسبت 06 أكتوبر 2012, 9:58 pm

-                                         باب الشفاعة 3696926579
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nobalaa.forumegypt.net
 
- باب الشفاعة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نبلاء الاسلام :: منتدي التوحيد-
انتقل الى: